محمد حسين علي الصغير

34

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

لهذا فقد كان سليما ما قرره الدكتور محمد عبد الغني حسين في مقارنته بينه وبين سابقيه : أبي عبيدة وابن قتيبة ، في التعبير البلاغي ، والأداء الأدبي ، والذائقة الفنية ، فقال : « وخذ أي آية شئت من كتاب اللّه العزيز ، وتتبعها عند أبي عبيدة في مجازه ، وعند ابن قتيبة في مشكله ، وعند الشريف الرضي في تلخيص بيانه ، فإنك مؤمن معنا في النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم ، كان أغزر الثلاثة بيانا ، وأفصحهم لسانا ، وأبلغهم في التعبير عن مرامي القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة ، يتضح فيها ذوق الأديب ، ورقة الشاعر ، وحسن البليغ ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي ، وعلم النحوي » « 1 » . 3 - وأما الحديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) فقد سبق لنا القول أنه مطور البحث البلاغي ، وواضع أصوله الفنية « 2 » في كتابيه الجليلين : « دلائل الإعجاز » « 3 » ، و « أسرار البلاغة » « 4 » . فقد سبر فيهما أغوار الفن القولي شرحا وإيضاحا وتطبيقا ، اعتنى باللباب من هذا العلم ، وأكد فيه على الجانب الحي النابض ، وابتعد عن الفهم العشوائي ، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها ، لم يعتن بالحدود المقيدة في علم المنطق ، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية مطلقا ، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض إبداعي ينهض بهذا الفن الأصيل إلى أوج عظمته ويدفع به إلى ذروة مشاركته في بناء الهرم الحضاري ، فما ذا يجني الباحث والمتعلم ، وهذا العلم نفسه ، من الجفاف في الحد ، أو الغلظة في الرسم ، أو الصرامة المضنية في القاعدة .

--> ( 1 ) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 48 . ( 2 ) المؤلف ، أصول البيان العربي ، رؤية بلاغية معاصرة : 18 . ( 3 ) حققه لأول مرة كل من الأستاذ محمد عبدة ، ومحمد محمود الشنقيطي . القاهرة ، 1921 وصدرت مؤخرا طبعة منقحة ، بتحقيق محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1984 . ( 4 ) حققه ، وخرج آياته ، وضبطه ضبطا علميا فريدا الأستاذ الدكتور هلموت ريتر ، مطبعة المعارف ، استانبول ، 1954 م .